17 ديسمبر
17 ديسمبر 2009الساعة تشير للثانية بعد الظهر من 17 ديسمبر 1994، لم أتجاوز التسعة أعوام عندها وببراءة كنت أرقب الخارج من نافذتنا الحديدية المطلة على الشارع وكيف منزلنا أخذ يهتزّ ويكأنّ الأرض ستفتح فاهًا تبتلعنا فيه فيغور بيتنا في ركام الحطام كما يحدث في الكوارث والأزمات إلا أنّ ذلك ما كان إلا طائرة (هولكبتر) تحلّق في أجواء قريتي السنابس، قريبة هي جدّا فهزيع محركها ومروحتها يخلفان الضوضاء المريبة، ببراءة الأطفال ابتسمنا وضحكنا.. هكذا متسمّرين، جاهلين أي خطر محاولين معرفة حدث الخارج.
يبدو أنّ دورانها بدى أكثر عداوة فأسقطت أشياء تتهاوى على الأرض كانت فتق حديد أما السماء تشكلت بالخطوط البيضاء، أصوات قويّة أشبه بتلك “البواريت” التي كنّا نأنس بفرقعتها حينذاك، لحظات حتى احمرّت العيون وراحت تدمع، رائحة الحقد تفوح وتتطاير رغم تلك الفوضى ما كنّا نعي ومازلنا نرقب الخارج بقلوب شفافة كالماء ما شهدنا إلا الحمام الأبيض يتهاوى مجروح، يزحف جهة البيت الآمن.
أبي زاجرًا: أغلقوا النوافذ وابتعدوا عنها بينما هو وإذا برجالات الشرطة قبالة أعيننا بمسدسات طوال مع خوذ بيضاء وأدرع وصراخ أهوج سقطنا خائفين تحت النوافذ ورجعنا نتسحّب الأرض وصولا للقاعة كردّة فعل هلعٍ خائف. هنيّه وأتى الصوت “ملعلعا”.. “أنزل”..”أنزل” كاد أبي يقع صعقا بعد أن سأل أخي الأكبر، أشاهدوك؟ أتنزل لهم؟
إنما الأمر لؤلائك الذين تسوّروا بيت الجيران فما أقسى ذاك العذاب، أيّ خوف تملّكني من تيك اللحظة وكيف هي أصوات الضرب وذاك الشتم وآهات أليمة.
هدأ الشارع فأخذت الأصوات تتهامس مرّوا هنا، ذلفوا، ضربوا، أخذوا، وردت الأخبار بعدها أنّ اثنين قضوا نحبهم شهداء برصاص الهمجية.. بكت البحرين قهرا وأخذنا نتجرّع العاهة بعد العاهة، طفولة ملوثة بالذبح مؤبّدة بالقتل والعذاب أيّ ذاكرة أختزل معي وأنا ابن التسعة أعوام!




